الكوة تأريخ معطر

الصفحة

حسين الخليفة الحسن*

قارئي الحصيف، في مقالتي السابقة (الكوة وأفذاذ الرجال) دوّن قلمي بعد ان قلّب بشغف بالغ صفحات ناصعات من تاريخ هذه المدينة العريقة (الكوة)، دوّن سير بعض من فلذات كبدها، بل نجومها الساطعة، وهم بمقام عقد فريد لقائمة شرف، لكن ذاكرتي المهترئة، والتي أصبحت كسهم محارب يخطئ ويصيب، لم تسعفني بكل من هم في قامة ما جادت به، حتى هرعت صوبي مسرعة، الأستاذة إخلاص نمر، صاحبة القلم الجرئ الوسيم، (نمريات) بصحيفة (الوطن) عاشقة الكوة الأولى (مسقط الرأس)، جاءتني وقلبها ينبض ويفيض حباً لها.. لاهثة ولسانها يلهج شكراً، ناطقا بالثناء لما سطره قلمي من مشاعر فياضة وذكريات معتقة، عن عشقي الثاني (الكوة). جاءتني وذاكرتها الشابة البكر تزخر بفيض من نوابغ الكوة، تقاطرت عليها كأمواج البحر، وأظنها رغم ذلك ما هي إلا قطرات من بحر لكي أضمها لقائمة الشرف والتي تزين ذيل مقالتي هذه.
اسمح لي أولاً ان أبحر بك وأنا في مركبة الذكريات مع شيخ كهل أرضعته الكوة لبناً صافياً ونقياً، حتى شب عن الطوق، جلس محدثنا متكئاً على جذع شجرة كثيفة وارفة ظلالها، تقبض يمناه على عصا غليظة وعتيقة، تآكلت أطرافها، وكأنه يستعين بها من حين لآخر عندما يشرد ذهنه لتعينه في إنعاش ذاكرته الصدئة، انطلق شيخنا قائلاً عن الكوة التي ارتبطت في ذهنه بذكريات الطفولة، وريعان الصبا والشباب: الكوة تمثل التمازج القومي في السودان، فعرفت من عهد باكر التداخل القبلي والتمازج السكاني بين قبائل السودان بالأخص قبيلة (الشلك)، فتمت المصاهرة بين معظم هذه القبائل، والبيوتات والأسر، حتى أصبحت أسرة واحدة متماسكة يقال ان اسمها قد جاء من المدينة الأثرية المعروفة بشمال السودان (kawa) والتي تقع  عند انحناءة نهر النيل والتي أطلق عليها الدناقلة بلهجتهم (كوي) بضم الكاف وكسر الواو، ويضرب تاريخ الكوة في أعمق أعماق التاريخ، وتمتد جذوره إلى عصور سحيقة بدءاً بالعصر الحجري والعصر المروي فعصر الفونج والعهد التركي، والفترة المهدية ثم العصر الحديث. وفي عام 1902 أصبحت الكوة مركزاً من مراكز مديرية النيل الأبيض، تعاقب عليه عدد من الإداريين البريطانيين نذكر منهم مستر بوسن ومستر هكسويرس، ثم جاء من بعدهم مآمير مصريون في مقدمتهم (شوقي)، والد الممثل البارع فريد شوقي، ثم جاء لحكمها مآمير سودانيون منهم: زين العابدين صالح (قطب حزب الأمة)، وكرار بشير العبادي (من أسرة العبابدة الشهيرة).
ارتبطت الكوة بالتعليم منذ عهد الفونج، فقد جاء في سفر (الطبقات) لود ضيف الله ان خلاوي القرآن كانت منتشرة بين الحلفاية والليس (قرب الكوة وإحدى مراكز الحضارة المروية) وقد بلغ عدد خلاويها أربعا وعشرين خلوة، تم فتح مدرسة الكوة الأولية النظامية عام 1902 متزامنة مع بناء مسجدها العتيق فهي من أوائل مدارس مديرية النيل الأبيض، والتي كانت تستوعب طلاب الخلاوي وتمد كلية غردون بالطلاب النابهين الذين تخرجوا فيها وانخرطوا في العمل العام.. ونذكر بعضاً منهم: الحاج موسى، النصري حمزة (أول مدير سوداني لمدرسة خورطقت الثانوية، محمد صالح نمر، عثمان نور (والد د.قاسم)، عبد الرحيم نمر، أول سكرتير لأول مجلس وزراء سوداني، والد الكاتبة الصحفية الرقم اخلاص نمر، ميرغني حمزة، أحمد السيد حمد، بابكر أبو شيبة وآخرون.. ومن الشخصيات القومية التي تلقت تعليمها الأولي بالكوة نذكر: الشاعر محمد سعيد العباسي، توفيق البكري أبو حراز، محمد أحمد المرضي، السياسي المعروف، الشاعر محمد بشير عتيق، الصحافي أحمد مختار، عبد الباقي محمد، مدير سودانير الأسبق، الممثل المصري فريد شوقي.. وتشتهر الكوة بأنها رائدة في التعليم وبكثافة المعلمين والمثقفين بها (ذكرت نخبة منهم في مقالتي الأولى).
وتشير المخطوطات بدار الوثائق إلى ثراء منطقة الكوة وما جاورها بالآثار والكنوز الذهبية القيمة، التي يعود تاريخها لعهدي المسيحية والمروية، ونأمل ونتطلع ان تشرع الجهات المعنية في التنقيب بتلك المنطقة علنا نعثر على الدرر والنفائس والتراث القومي لفائدة الوطن. كانت للكوة عمودية وكان حاج إسماعيل ود موسى أول عمدة لها اشتهر بأريحيته المفرطة، وشجاعته النادرة فهو جد السفير السابق عمر عبد الماجد الأديب الشهير صاحب ديوان (مهرجان العصافير والأراك)، و(أسرار تمبكتو) ثم أعقبه العمدة نمر وأمضى بالعمودية عشر سنوات، وجاء بعده ابنه العمدة سيد احمد نمر. وفي هذا المجال لا بد من ذكر عمدة الكوة الشهير علي بابكر في العهد الوطني والذي عرف بالحكمة والرأي الصائب.
كانت الكوة تعج بطرقها الصوفية المتعددة مثل السمانية والختمية والقادرية، وتؤدي أذكارها يومذاك قرب مسجد الكوة العتيق الذي تعاقب على أمامته كثير من العلماء أولهم ود الطاش، من جعليي المتمة، ومن الأئمة عماد عبد الله كروم.
الكوة مدينة معطاءة، لم تبخل على وطنها الكبير بخيرة أبنائها فهم درر غالية، ونفائس ثمينة وعلماء أفذاذ، قدموا للوطن كنوزاً من العلم والمعرفة والخبرة كل في مجاله، نذكر ما جادت به ذاكرتي وذاكرة أختي الصغيرة (اخلاص نمر)، ومعذرة لمن اغفلتهم الذاكرة.. في القوات المسلحة: الحاج بك موسى، اللواء عبد القادر النصري، اللواء محمد عثمان محمد، العميد عمر الحاج موسى، اللواء الدكتور بابكر التوم، العميد كروم عمر كروم.. في الشرطة والسجون: قمندان حيدر ابو زيد، العقيد عبد الرحيم النصري، العقيد الرشيد كروم، العقيد الهادي النصيح. في السلك الدبلوماسي: السفير خالد النصيح، السفير معاوية سورج، السفير عمر عبد الماجد، السفير عبد العزيز النصري، السفير الرشيد خضر، السفير عمر حيدر. في الطب: د.التجاني الماحي، د.محجوب حمزة، د.عبد الرحمن سالم، د.بابكر عمر الحاج موسى، د.عبد الله الحاج موسى، د.حمزة ميرغني، د.بثينة ميرغني، د.يس عمر، د.موسى عبد الله حامد، د.عبد الله عويس، د.نجاة مبارك الطيب. في الزراعة: زكريا إبراهيم، الرشيد الشيخ، حسن شاذلي، عمر بر، بابكر عبد الله، الحاج عوض عباس. في الهندسة: صديق النور، الرشيد عثمان، يس حسن كرار، عبد الغني الماحي، عصام صديق، حسين عثمان نور، كمال نمر، أهدلي كروم، الفاضل بن عوف، يوسف بن عوف. في الاقتصاد: منصور محجوب، عبد الرحمن سيد أحمد، عمر سيد أحمد، سعاد عبادي، بدرالدين خليفة. في الرياضة: الرشيد نمر، محمد كابوس، سيد أحمد البشير وهم من رؤساء النادي الأهلي الذي تأسس عام 1938 بالكوة، كما زخرت ميادينها بشتى ضروب الرياضة والمسرح، ولا يفوتنا ان نذكر عمنا محمد بابكر كتيابي الرياضي المعروف وأول من ذهب تاجراً الى ملكال ويجيد خمس من لهجات أبناء الجنوب.
في الختام (يطرز) لنا هذا السجل التوثيقي عن مدينة الكوة الأديب فارس الكلمة عمر الحاج موسى ابن الكوة بإبر الابتكار والخلق والإبداع فقد طوع عمر الكلم، وروض المعاني، وسبر أغوار التعبير، فكان أديباً وسط الساسة، وسياسياً وسط الأدباء، ضمخ لغة السياسة بأنفاس الأدب، وعطرها بنداوة الفن، فهاكم أقرأوا معي بعضاً من روائعة أولاً: مقتطفات من خطابه أمام جماهير كسلا عندما كان مشرفاً سياسياً عليها: “نعود ونجد الربع قد تغير، إلا ان ثلاثة لم تتغير ولم تستطع الأيام ان تزيدها حسناً على حسنها، ولا جمالاً على جمالها، أولها جبال التاكا.. حلية كسلا، وعقدها والمطل عليها من علٍ – من الطائرة- يخالها لكسلا كنهود الحسناء للحسناء، مشرئبة للحراسة، عالية كأنها ترضع القمر.. وثاني الثلاثة القاش… وقد لف بالساعد خصر كسلا عفيفاً عنيفاً، زرع أهلها على فخذيه حدائق غلبا، وفاكهة وأابا متاعاً لهم ولأنعامهم.. وثالث الثلاثة: أهل كسلا.. رجالها… سماحتهم غيث، ونجدتهم غوث… كلامهم كله ظريف كأنه يضحك- كلامهم كله عفيف كأنهم يغسلونه قبل الحديث به… ونساؤها وبناتها يستقبلون الضيف بوجه باش، نونة غريقة بالسرور، يلبسن الثوب، والثوب في كسلا يتثاءب عند الخصر، وأما اقترب منهم الغريب وخفيت نظراته نظر لهن إلا وجلفت العيون، واحتمت بالأهداب، واعتصمت بالمعاصم حياء وخفراً يزدن في بهجة كسلا الفاتحة صدرها ابداً لكل عزيز زائر”.
وألقى عمر الحاج موسى كلمة قصيرة نعى فيها الفنانة عائشة الفلاتية فهذا بعض ما اقتطفنا: (وارينا اليوم، وفي مكان مهجور بمقابر حمد النيل الحنجرة التي كانت أول من غنى إلى أبنائنا الجنود ورتل “يجوا عايدين”.. يؤسفني ان أنعي عائشة الفلاتية التي شجاكم صوتها، حلاوته.. ورقته… ودفؤه.. لقد ذهبت أمس إلى الدار الباقية… اللهم ان ذنوب عائشة لا تضرك… وإن رحمتك إياها لا تنقصك.. فاغفر لها ما لا يضرك.. وأعطها ما لا ينقصك… اللهم لا تخيب رجاءنا، فإنا لك، وإن إليك راجعون ولا حول ولا قوة إلا بك”.
ختامه مسك… شكري لك الأستاذ أحمد طه على دأبك وجهدك لبعث الروح في تراثنا القومي، والله الموفق.
· خبير تربوي – عضو لجنة المنتدى التربوي السوداني

Advertisements

6 رأي حول “الكوة تأريخ معطر

  1. جبور

    المكرم الاخ/حسين – المحترم
    تحياتي..،،،
    اخي لك التجلة ولهذه المدينة المحزونة ، محزونة لان كل تاريخها مغلوط كحال تاريخ السودان ومحزونة لان كل الزمرة التي ذكرتها بعاليه اداروا ظهورهم و هربوا كجزء من الهروب الكبير في السودان طوعاً او قسراً فالمحصلة في النهاية هي إذابة لهوية ولثقافة وحضارة مدينة من العلم ما كان لها ان تذوب.

    اخي ان الكوة التي تراها الان هي غير الكوة التي نشأنا فيها في البواكير ، مدينة من نور ، اهلها شايقية ودناقلة وجعليين ، مدينة محبة للثقافة وجالبة لها ، مدينة تعرف الوصال والمحبة ، مدينة تنافس على قائمة الشرف لا ان تكون الان الاولى في الفاقد التربوي في السودان ، وبهذه المناسبة عندما نتكلم عن التعليم في المدينة يجب ان لا نتحدث عن الشخوص ( يجب ان يعتزوا انهم من الكوة فلوا كانوا بغيرها من المدن هل كان من الممكن ان ينالوا حظاً من التعليم ؟) ولكن يجب ان نتحدث عن تاريخ تليد غابر في الزمان فالتعليم كما حدثني العم/فتح الرحمن سعيد(الفتح) رحيم ال ديومة ووالد اخونا يوسف والذي كان اكبر معمر في الكوة – الله يرحمه – حدثني بأن تاريخ افتتاح مدرسة الكوة الابتدائية
    يرجع للعام 1896م وقد بنيت مفصولها ومكاتبها من القش في شكل كرانك في منطقة الدباغة الحالية بجوار خور دورة المشهور وان الابار المستخدمة في دباغة الجلود هي جزء من تكوين المدرسة حينذاك وكان اول ناظر لها حسب قوله هو/محمد عثمان سعيد من ابناء دنقلا بهدها انتقلت المدرسة لمبنى الانجليزالمعروف في العام 1902م وزاد على ذلك تعريف موقع ولادة الفنان /فريد شوقي وان شبابيك وابواب مدرسة الكوة الابتدائية بنات هي من صنع يد الفنان/ابراهيم الكاشف تلقيت المعلومة وانا في السنة الرابعة الابتدائي وقد نقاتها حينها لللاستاذ/عثمان سليمان حميرا – مدير المدرسة – الذي وعد بلقاء العم/الفتح لتدوين الامر لكنه للاسف لم يفعل ولعدم اهمية الموضوع لتلميذ في رابعة ابتدائي كان نصيبه النسيان – الم اقل انها محزونة!
    لنا عودة ولكم تحياتي..،
    المشتبر/جبور

  2. حقيقية لم تقصر ابدا في وصف الحسناء صاحبة الأنحناء التي يلتفها النيل ومن امامها يرقد شيخنا عبدالله,,,
    الكوة مدينة ظلمها التاريخ ومن المؤسف رغم كل القائمة التي ذكرت من ابنائها لم يوتق لها واحد منهم بالطريقة التي تستحقها الكوة,,,,المواقع الأثرية و الميناء الزي كان موجود بها وعمال تلك المواني وتاريخ دخولهم واماكن سكنهم كلها عبارة عن احاديث ليست موثقة رغم ان كل الآثار موجودة وتدل علي وجود أثر لحضارة جهلت او تعمد أخفائها.
    الدعوة عامة كل لي كل أبناء الكوة لجمع الوثائق والخرط حت يتم تثبيت الحقوق لأن من الملاحظ هنالك حركة قوية للبناء والتغول علي تلك الأراضي الأثرية.

  3. الكوة . المدينه الوداعه على جنبات الضفه الشرقيه للنيل الابيض كفتاة رزينة زادها حياءها جمالا والقا ترعرع فى كنفها رجال فى الذاكرة السودانيه صنعوا تاريخنا واحلامنا وامالنا وتطلعتنا وشكلو وجداننا ….. الا رحم المتوفى منهم وبارك فى اعمار من هم بيننا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s